/ الفَائِدَةُ : (15) /

18/02/2026



بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /مُمَيِّزَاتُ قَوَالِبِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ/ /سِمَاتُ القَوَالِبِ المَلَكُوتِيَّةِ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ/ إِنَّ لِقَوَالِبِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ خَصَائِصَ فَرِيدَةً ، يَجِبُ إِعْمَالُ النَّظَرِ فِيهَا ، وَتَرْكِيزُ الْعِنَايَةِ عَلَيْهَا ، مِنْهَا : /فَيْضُ الحَقَائِقِ وَعَجَائِبُ الأَسْرَارِ/ أَوَّلًا : كَوْنُهَا مَرَايَا مَلَكُوتِيَّةً جَلِيلَةً ، لَا تَنْضَبُ مَعَادِنُ مَعَانِيهَا ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُ حَقَائِقِهَا ؛ فَهِيَ لُجَّةٌ لَا سَاحِلَ لَهَا ، تَسْتَعْصِي مَدَالِيلُهَا عَلَى التَّنَاهِي عِنْدَ أَمَدٍ ، وَتَعْلُو عَنِ الْحَصْرِ فِي نِطَاقٍ ؛ أَزَلًا وَأَبَدًا . وَإِلَىٰ هَذَا المَعْنَىٰ تَرَادَفَتِ النُّصُوصُ البَاهِرَةُ ، وَتَظَاهَرَتِ بَيَانَاتُ الوحي الزَّاخِرَةُ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) : ﴿قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (1). 2 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ اسْمُهُ) : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (2). 3 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ ذِكْرُهُ) : ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (3). /خَاصِّيَّةُ العِصْمَةِ وَالنَّجَاةِ/ ثَانِيًا : أَنَّهَا تَمْنَحُ اعْتِصَامًا تَدْرِيجِيًّا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِعُرْوَتِهَا ، فَتَقِيهِ مَزَالِقَ الزَّيْغِ وَهَوَاةَ الِانْحِرَافِ ؛ فَلَا تَتَخَطَّفُهُ فِتَنُ الشُّبُهَاتِ وَهُوَ يُبْحِرُ فِي مَضَامِينِ مَنْظُومَةِ قَوَالِبِها ، وَلَا تَغْشَاهُ سَحَائِبُ الضَّلَالِ ، أَوْ تَعْصِفُ بِهِ رِيَاحُ الحَيْرَةِ وَالمِحَنِ . وَهَذَا المَعْنَىٰ هُوَ جَوْهَرُ مَا نَطَقَتْ بِهِ البَيَانَاتُ القُدْسِيَّةُ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) : ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ (4). 2 ـ بَيَانُ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي ، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ ، وَهُوَ : كِتَابُ اللَّهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّىٰ يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ... » (5). 3 ـ بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « ... فَإِنِّي حَامِلُكُمْ ـ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ـ إِنْ أَطَعْتُمُونِي عَلَىٰ سَبِيلِ النَّجَاةِ وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ وَمَرَارَةٌ عَتِيدَةٌ ... » (6). 4 ـ بَيَانُ زِيَارَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) : « ... السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا سُفُنَ النَّجَاةِ ... » (7). /خَاصِّيَّةُ الِامْتِنَاعِ وَالحُجِيَّةِ/ ثَالِثًا : أَنَّهَا تُغْلِقُ دُونَ مَنْ يَعْتَصِمُ بِهَا كُلَّ ثُغْرَةٍ ، وَتَسُدُّ أَمَامَ خُصُومِهِ كُلَّ مَنْفَذٍ لِلنَّقْضِ عَلَيْهِ ؛ فَيَغْدُو فِي حِرْزٍ مَنِيعٍ ، وَحِصْنٍ حَصِينٍ مِنْ تَشْكِيكِ المُشَكِّكِينَ ، وَمَعَازِلَ عَنْ سِهَامِ المُلْبِسِينَ وَالمُعْتَرِضِينَ . وَإِلَىٰ هَذَا المَعْنَىٰ سِيقَتِ البَيَانَاتُ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ ذِكْرُهُ) : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾(8). /خُطُورَةُ الِاسْتِحْدَاثِ اللَّفْظِيِّ فِي المَعَارِفِ العَقَدِيَّةِ/ وَمِمَّا سَلَفَ يَتَبَيَّنُ : أَنَّ اجْتِرَاحَ البَاحِثِ أَوِ المُسْتَنْبِطِ لِأَلْفَاظٍ وَعَنَاوِينَ وَمُصْطَلَحَاتٍ مَعْرِفِيَّةٍ ـ لَا سِيَّمَا فِي المَقَامِ العَقَائِدِيِّ ـ كَإِطْلَاقِ لَفْظِ : (وَاجِبِ الوُجُودِ) ، أَوْ (عِلَّةِ العِلَلِ) عَلَى الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ المُقَدَّسَةِ ؛ قَدْ يُفْضِي إِلَى مَزَالِقَ فِكْرِيَّةٍ ، وَانْحِرَافَاتٍ مَعْرِفِيَّةٍ وَعَقَدِيَّةٍ بَالِغَةِ الخُطُورَةِ . وَعَلَيْهِ : فَمَنْ رَامَ تَرْصِيفَ قَاعِدَةٍ ، أَوْتَقْعِيدَ ضَابِطَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ ـ وَخُصُوصاً فِي جَنَبَاتِ العَقِيدَةِ ـ فَعَلَيْهِ بِالحَذَرِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّمَحُّلِ ، وَالتَّوَقِّي مِنْ نَحْتِ الأَلْفَاظِ وَالمُصْطَلَحَاتِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ . وَهَذَا المَنْحَى هُوَ مَا تَعْضُدُهُ بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « إِيَّاكَ أَنْ تُفَسِّرَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِكَ ... فَإِنَّهُ رُبَّ تَنْزِيلٍ يُشْبِهُ بِكَلَامِ الْبَشَرِ ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ ، وَتَأْوِيلُهُ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْبَشَرِ ، كَمَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ يُشْبِهُهُ ، كَذَلِكَ لَا يُشْبِهُ فِعْلُهُ تَعَالَىٰ شَيْئاً مِنْ أَفْعَالِ الْبَشَرِ ، وَلَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ بِكَلَامِ الْبَشَرِ ، فَكَلَامُ اللَّهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) صِفَتُهُ ، وَكَلَامُ الْبَشَرِ أَفْعَالُهُمْ ؛ فَلَا تُشَبِّهْ كَلَامَ اللَّهِ بِكَلَامِ الْبَشَرِ فَتَهْلِكَ وَتَضِلَّ » (9). ٢ ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً ، مُخَاطِباً كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ : « ... يَا كُمَيْلُ ، مَا مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وَأَنَا أَفْتَحُهُ ، وَمَا مِنْ سِرٍّ إِلَّا وَالْقَائِمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَخْتِمُهُ ... يَا كُمَيْلُ ، لَا تَأْخُذْ إِلَّا عَنَّا تَكُنْ مِنَّا ، يَا كُمَيْلُ ، مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَىٰ مَعْرِفَةٍ ... يَا كُمَيْلُ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا ، فَمَنْ تَخَلَّفَ عَنَّا قَصَّرَ عَنَّا ، وَمَنْ قَصَّرَ عَنَّا لَمْ يَلْحَقْ بِنَا ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا فَفِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ... » (10). 3ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ حَقٍّ وَلَا صَوَابٍ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَقْضِي بِقَضَاءٍ يُصِيبُ فِيهِ الْحَقَّ إِلَّا مِفْتَاحُهُ عَلِيٌّ ، فَإِذَا تَشَعَّبَتْ بِهِمُ الْأُمُورُ كَانَ الْخَطَأُ مِنْ قِبَلِهِمْ وَالصَّوَابُ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ كَمَا قَالَ » (11). 4ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « ... فَوَاللَّهِ لَنُحِبُّكُمْ أَنْ تَقُولُوا إِذَا قُلْنَا وَتَصْمُتُوا إِذَا صَمَتْنَا ، وَنَحْنُ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ » (12). 5ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « مَنْ دَخَلَ فِي هَٰذَا الدِّينِ بِالرِّجَالِ أَخْرَجَهُ مِنْهُ الرِّجَالُ كَمَا أَدْخَلُوهُ فِيهِ ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ زَالَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ » (13). 6ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيِّ ، قَالَ : « قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : إِنَّهُ مَنْ عَرَفَ دِينَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) زَالَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ ، وَمَنْ دَخَلَ فِي أَمْرٍ بِجَهْلٍ خَرَجَ مِنْهُ بِجَهْلٍ ، قُلْتُ : وَمَا هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ؟ قَالَ : قَوْلُ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (14) ، وَقَوْلُهُ (عَزَّ وَجَلَّ) : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (15) ، وَقَوْلُهُ (عَزَّ وَجَلَّ) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (16) ، وَقَوْلُهُ (تَبَارَكَ اسْمُهُ) : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (17) ، وَقَوْلُهُ (عَزَّ وَجَلَّ) : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (18) ، وَقَوْلُهُ (عَزَّ وَجَلَّ) : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (19) ، وَمِنْ ذَٰلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : « مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ ، وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ » (20) . /فَلْسَفَةُ التَّوْقِيفِيَّةِ وَسَعَةُ الأُفُقِ الوَحْيَانِيِّ/ وَدَلَالَةُ مَا سَبَقَ جَلِيَّةٌ لَا خَفَاءَ فِيهَا ؛ إِذْ هَذَا هُوَ كُنْهُ (التَّعَبُّدِيَّةِ) وَمَحْضُ (التَّوْقِيفِيَّةِ) وَ(التَّوْقِيتِيَّةِ) فِي مَعَارِفِ الوَحْيِ ؛ فَحِينَمَا يُقَالُ : إِنَّ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةَ(21) ، وَأَسْمَاءَ (22) سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) وَصِفَاتِهِمْ ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا ، هِيَ أُمُورٌ تَعَبُّدِيَّةٌ تَوْقِيفِيَّةٌ تَوْقِيتِيَّةٌ ؛ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا هَذَا المَعْنَى الرَّصِينُ . وَلَيْسَ مَفْهُومُهَا ـ كَمَا تَوَهَّمَهُ خُلَاةُ الْأَذْهَانِ عَنْ طَبِيعَةِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمَنَّانِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْعَلْمَانِيِّينَ وَالْمَادِّيِّينَ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ (23) ـ بِأَنَّ الِالتِزَامَ بِمُفْرَدَاتِ الوَحْيِ وَقَوَالِبِهِ يُمَثِّلُ تَحْجِيرًا لِلْعَقْلِ ، أَوْ إِقْفَالًا لِرِحَابِ الفِكْرِ ؛ بَلِ الحَقُّ هُوَ العَكْسُ تَمَامًا ؛ فَإِنَّ الِارْتِهَانَ إِلَى نِتَاجِ البَشَرِ حَسْبُ ـ مَعَ مَحْدُودِيَّةِ طَاقَتِهِمْ ، وَقُصُورِ مَلَكَاتِهِمْ ، وَتَنَاهِي مَعَانِيهِمْ بِتَنَاهِي ذَوَاتِهِمُ المَخْلُوقَةِ ـ هُوَ عَيْنُ التَّحْجِيرِ ، وَذَاتُ الحَبْسِ لِلْعَقْلِ عَنِ العُرُوجِ إِلَى مَلَكُوتِ المَعَارِفِ ، وَمَنْعُهُ مِنَ الِانْعِتَاقِ نَحْوَ عَوَالِمَ مَعْرِفِيَّةٍ جَلِيلَةٍ وَمَهُوبَةٍ ، لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا بَاعِثُ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ (تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَعَظُمَتْ آلَاؤُهُ) وَأَهْلُ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَعَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ ، تَأْتِي سَعَةُ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ وَفَيْضُهُ المَعْرِفِيُّ ؛ لِتَكُونَ حَقَائِقُهُ بُحُورًا زَخَّارَةً مُتَلَاطِمَةً ، غَيْرَ مَحْدُودَةٍ وَلَا مُتَنَاهِيَةٍ عَبْرَ آمَادِ الزَّمَانِ وَطُرِّ العَوَالِمِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ . وَمِنْ ثَمَّ ، فَإِنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ ، أَوْ عُنْوَانٍ ، بَلْ كُلَّ رَمْزٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقِيصَةٍ يُصَدِّرُهَا المَعْصُومُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، تُشْرِعُ أَبْوَابًا لِبُحُورٍ مِنَ المَعَانِي الفَيَّاضَةِ ، وَتَفْتَحُ مَسَارَاتٍ لِآفَاقٍ مَعْرِفِيَّةٍ لَا مَحْدُودَةٍ ، تَعْجِزُ عَنْ إِدْرَاكِ عَظَمَتِهَا العُقُولُ القَاصِرَةُ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الْكَهْفُ : 109. (2) لُقْمَانُ : 27. (3) النَّحْلُ : 96. (4) طه : 123. (5) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 23: 118/ح36. (6) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 32: 223. (7) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 98: 345/ح1. (8) الْأَنْعَامُ : 149. (9) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 89: 107/ح2. التَّوْحِيدُ، الْبَابُ: 36. (10) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 74: 267. (11) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 2: 95/ح35. (12) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ /ح37. (13) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 105/ح67. (14) الْحَشْرُ : 7. (15) النِّسَاءُ : 80. (16) النِّسَاءُ : 59. (17) الْمَائِدَةُ : 55. (18) النِّسَاءُ : 65. (19) الْمَائِدَةُ : 67. (20) بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 23: 102ـ 103/ح11. بِشَارَةُ الْمُصْطَفَىٰ: 156ـ 157. (21) يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ فِي الْمَقَامِ إِلَى الْأُمُورِ التَّالِيَةِ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: / خُطُورَةُ بَحْثِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ / إِنَّ بَحْثَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ بَحْثٌ حَسَّاسٌ جِدّاً، وَلَهُ بَالِغُ الثَّمَرَةِ وَالتَّأْثِيرِ فِي أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ وَالْعَقَائِدِ الْإِلَهِيَّةِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: / حَقِيقَةُ مُطْلَقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ مَخْلُوقَاتٌ إِلَهِيَّةٌ مُكَرَّمَةٌ / إِنَّ حَقَائِقَ جُمْلَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِعْلِيَّةً كَانَتْ أَمْ ذَاتِيَّةً لَيْسَتْ كَمَا يَتَبَادَرُ فِي الِاسْتِعْمَالَاتِ الْعُرْفِيَّةِ أَنَّهَا: عِبَارَةٌ عَنْ أَصْوَاتٍ مَلْفُوظَةٍ وَمَنْطُوقَةٍ وَمَنْقُوشَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوَائِلُ الْمَخْلُوقَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُكَرَّمَةِ الَّتِي انْعَكَسَ وَتَجَلَّىٰ فِيهَا كَمَالُ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ؛ وَانْعَكَسَتْ وَتَجَلَّتْ فِيهَا قُوَّتُهُ (تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ) وَعَظَمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ وَهَيْمَنَتُهُ وَسَائِرُ صِفَاتِهِ وَشُؤُونِهِ؛ فَكَانَتْ آيَاتٍ إِلَهِيَّةً عَظِيمَةً وَمَهُولَةً وَخَطِيرَةً جِدّاً، وَلِشِدَّةِ كَمَالِهَا ـ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ـ انْطَمَسَتْ إِنِّيَّتُهَا الْخَلْقِيَّةُ، وَتَمَحَّضَتْ فِي حِكَايَةِ كَمَالِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ، وَحِكَايَةِ قُوَّتِهِ (جَلَّتْ آلَاؤُهُ) وَعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهَيْمَنَتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ وَشُؤُونِهِ. وَهَذَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانُ الْقَاعِدَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ الْمُطَّرِدَةِ فِي أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَهِيَ: «أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ الْإِلَهِيَّةَ الْأُولَىٰ لِقُرْبِهَا مِنَ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ تَتَجَلَّىٰ فِيهَا الْعَظَمَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ»، وَمِنْ ثَمَّ تَأْخُذُ بِالتَّبَعِ ـ وَكَوُجُودٍ ظِلِّيٍّ وَثَانِيّاً بِالْعَرْضِ ـ جُمْلَةَ أَحْكَامِ وَأَسْمَاءِ وَصِفَاتِ وَشُؤُونِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ إِلَّا الْأُلُوهِيَّةَ؛ لِخُرُوجِهَا مَوْضُوعاً وَتَخَصُّصاً. وَبِالْجُمْلَةِ: أَنَّ مُطْلَقَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ـ فِعْلِيَّةً كَانَتْ أَمْ ذَاتِيَّةً ـ مَخْلُوقَاتٌ إِلَهِيَّةٌ، لَكِنْ: لَيْسَ لَهَا لَوْنٌ خَلْقِيٌّ وَحُدُوثُ مَخْلُوقَاتٍ، وَإِنَّمَا حُدُوثٌ فِي الْحُجُبِ وَالسَّدَنَةِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ غَيْرُ الْقَادِرِ، وَهُمَا غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَهُمْ غَيْرُ الْآخِرِ، وَهَلُمَّ جَرّاً، وَهَذِهِ الْمُغَايَرَةُ كَاشِفَةٌ عَنْ وُجُودِ حُدُودٍ خَفِيَّةٍ؛ وَتَنَاهٍ خَفِيٍّ مُنَزَّهٌ عَنْهُ الْبَارِي ـ الْمُسَمَّىٰ ـ تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ. وَلِلتَّوْضِيحِ أَكْثَرَ نَقُولُ: إِنَّ حَقِيقَةَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَسَائِرَ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ لَا تَكْمُنُ بِوُجُودَاتِهَا الِاعْتِبَارِيَّةِ ـ سَوَاءٌ كَانَتْ صَوْتِيَّةً أَمْ كَتْبِيَّةً ـ وَلَا بِالْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ، بَلْ وَلَا بِبُحُورِ الْمَعَانِي، وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ لَهَا قُدْسِيَّةٌ وَشَعْشَعَانِيَّةٌ وَنُورَانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ جِدّاً، وَآثَارٌ طِلَسْمِيَّةٌ عَجِيبَةٌ وَغَرِيبَةٌ وَرَدَتْ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الشَّرِيفِ، لَكِنَّ حَقِيقَةَ هَٰذِهِ الْمَوْجُودَاتِ الشَّرِيفَةِ تَكْمُنُ فِي وُجُودَاتِهَا وَوَاقِعِيَّاتِهَا الصَّاعِدَةِ، وَالَّتِي تُهَيْمِنُ عَلَىٰ مَا تَحْتَهَا وَتَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ اللَّطِيفِ فِي الْأَغْلَظِ. إِذَنْ: لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ـ فِعْلِيَّةً كَانَتْ أَمْ ذَاتِيَّةً ـ وَمَا شَاكَلَهَا مِنَ الْحَقَائِقِ وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَاقِعِيَّاتٌ تَكْوِينِيَّةٌ مَلَكُوتِيَّةٌ فِي عَوَالِمَ شَرِيفَةٍ صَاعِدَةٍ، مَهُولَةٌ جِدّاً، مُهَيْمِنَةٌ عَلَىٰ مَا دُونَهَا وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ اللَّطِيفِ فِي الْأَغْلَظِ. وَعَلَيْهِ: فَيَنْبَغِي لِلْمَخْلُوقِ أَنْ لَا يُسْكِرَ عَقْلَهُ بِوُجُودَاتِهَا الِاعْتِبَارِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وَإِنَّمَا يَمُدُّ نَظَرَهُ وَيُنْشِبُ أَظْفَارَهُ بِتِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ الْمَهُولَةِ الصَّاعِدَةِ. وَمَنْ أَرَادَ الِاطِّلَاعَ عَلَىٰ مَعَارِفِ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَعَانِيهَا وَحَقَائِقِهَا فَلْيُرَاجِعْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْوَافِرَةَ، مِنْهَا: سُورَةُ الرَّعْدِ، وَدُعَاءُ لَيْلَةِ عَرَفَةَ، وَدُعَاءُ السِّمَاتِ. بَعْدَ الِالْتِفَاتِ: أَنَّ مَعَارِفَ عَالَمِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْ أَعْقَدِ الْمَعَارِفِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا بَيَانَاتُ الْوَحْيِ. لْأَمْرُ الثَّالِثُ: / اسْتِعْمَالَاتُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ تَارَةً عَلَىٰ نَحْوِ الطَّرِيقِيَّةِ وَأُخْرَىٰ عَلَىٰ نَحْوِ الْمَوْضُوعِيَّةِ / إِنَّ الْأَسْمَاءَ الْإِلَهِيَّةَ تَارَةً تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّىٰ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَعَظُمَتْ آلَاؤُهُ؛ صَاحِبُ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنْسَبِقُ مِنِ اسْتِعْمَالَاتِهَا. وَأُخْرَىٰ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا نَفْسُ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ. وَالِاسْتِعْمَالُ الْأَوَّلُ آلِيٌّ، وَالثَّانِي مَوْضُوعِيٌّ؛ لَكِنَّ الْآلِيَّةَ وَالْمَوْضُوعِيَّةَ لَا تَكْمُنُ فِي الْأَلْفَاظِ وَلَا فِي الْمَعَانِي، وَإِنَّمَا فِي مَا وَرَاءَ الْمَعَانِي مِنْ وَاقِعِ الْأَسْمَاءِ وَوُجُودَاتِهَا وَحَقَائِقِهَا؛ فَإِنَّهُ تَارَةً يُنْظَرُ إِلَيْهَا كَآيَاتٍ وَعَلَامَاتٍ لِلذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأُخْرَىٰ يُنْظَرُ إِلَيْهَا بِمَا هِيَ هِيَ. وَإِرَادَةُ الْمُسْتَعْمِلِ لِلنَّحْوِ الْأَوَّلِ وَتَمْيِيزُهَا عَنْ إِرَادَتِهِ لِلنَّحْوِ الثَّانِي فِي السُّوَرِ وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَبَيَانَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَمَا تُذْكَرُ مِنْ شُؤُونٍ وَصِفَاتٍ لِلْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ أَمْرٌ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ وَالثَّمَرَةِ وَالْخُطُورَةِ. وَتَمْيِيزُ أَحَدِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ يَعْتَمِدُ عَلَى الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَالْمَقَالِيَّةِ. إِذَنْ: إِطْلَاقَاتُ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ الْوَارِدَةُ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ، تَارَةً يُرَادُ مِنْهَا نَفْسُ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ ـ وَهِيَ مَخْلُوقَاتٌ شَرِيفَةٌ وَمَهُولَةٌ وَعَظِيمَةٌ، فِي عَوَالِمَ كَرِيمَةٍ صَاعِدَةٍ ـ، وَأُخْرَىٰ يُرَادُ مِنْهَا مُسَمَّاهَا؛ صَاحِبُ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَهُوَ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) وَرَاءَهَا وَفَوْقَهَا، وَمُهَيْمِنٌ عَلَيْهَا، وَغَنِيٌّ عَنْهَا، وَمُمِدُّهَا، وَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ وَمُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ كَحَالِ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ هَٰذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ أَشَدُّ. وَنُكْتَةُ هَٰذَا التَّنْبِيهِ؛ كَيْمَا لَا يَحْصُلَ خَلْطٌ فِي مَبَاحِثِ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ. فَانْظُرْ: بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمُشِيرَةَ إِلَى النَّحْوِ الْأَوَّلِ، مِنْهَا: 1ـ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35]. 2ـ بَيَانُ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22]. 3ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ صَامَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ... وَمَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ زَارَهُ اللَّهُ فِي عَرْشِهِ مِنْ جَنَّتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ». [مَنْ لَا يَحْضُرُهُ الْفَقِيهُ، 2: 92/ح1824]. وَقَدْ أَوَّلَتْ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْأُخْرَىٰ فَقْرَةَ: «زَارَهُ اللَّهُ فِي عَرْشِهِ» بِـ: (زَارَهُ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)؛ فَإِنَّ طَبَقَاتِ حَقِيقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الصَّاعِدَةَ ـ كَطَبَقَاتِ حَقَائِقِ سَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ـ هِيَ: أَوَائِلُ الصَّوَادِرِ، وَالتَّجَلِّيَاتُ وَالظُّهُورَاتُ الْأَعْظَمُ، وَالصِّفَاتُ وَالْأَسْمَاءُ الْإِلَهِيَّةُ الْحُسْنَىٰ، فِعْلِيَّةً كَانَتْ أَمْ ذَاتِيَّةً. وَلَاحِظْ: بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْأُخْرَىٰ الْمُشِيرَةَ إِلَى النَّحْوِ الْثَّانِي، مِنْهَا: أَوَّلاً: بَيَانُ قَوْلِهِ عَزَّ قَوْلُهُ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]. ثَانِيّاً: بَيَانُ قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر: 43]. ثَالِثاً: بَيَانُ قَوْلِهِ جَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. رَابِعاً: بَيَانُ قَوْلِهِ جَلَّ اسْمُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. وَدَلَالَةُ الْجَمِيعِ وَاضِحَةٌ. الْأَمْرُ الرَّابِعُ: / الدَّوْرُ الْمَعْرِفِيُّ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ نَفْيُ التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ / إِنَّ دَوْرَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الْمَعْرِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ: نَفْيُ التَّعْطِيلِ فِي مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَنَفْيُ التَّشْبِيهِ. الْأَمْرُ الْخَامِسُ: / عَدَمُ مَعْرِفَةِ الْمَخْلُوقِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ تُوقِعُهُ بِانْزِلَاقَاتٍ عَقَائِدِيَّةٍ خَطِيرَةٍ / إِنَّ كَثِيراً مِنَ التَّوَهُّمَاتِ وَالتَّسَاؤُلَاتِ وَالْإِشْكَالاتِ وَالتَّخَرُّصَاتِ الَّتِي يُثِيرُهَا الْمَخْلُوقُ عَلَىٰ سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ نَاشِئَةٌ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِبَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّهُ بَابٌ مُهِمٌّ جِدّاً فِي تَوْطِيدِ صِلَةِ وَعَلَاقَةِ الْمَخْلُوقِ بِخَالِقِهِ تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ. مِثَالُ ذَٰلِكَ: (الْيَهُودُ)؛ فَإِنَّ لَدَيْهِمُ اعْتِقَاداً بِاللَّهِ تَعَالَىٰ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِمْ مَعْرِفَةٌ بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ارْتَطَمُوا بِمَحَاذِيرَ مَعْرِفِيَّةٍ وَعَقَائِدِيَّةٍ خَطِيرَةٍ جِدّاً، مِنْهَا: نِسْبَةُ الْبُخْلِ إِلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ. فَانْظُرْ: بَيَانُ قَوْلِهِ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]. الْأَمْرُ السَّادِسُ: / تَرَابُطٌ وَثِيقٌ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ وَالتَّوَجُّهِ بِهَا إِلَى السَّاحَةِ الْإِلَهِيَّةِ / / التَّوَجُّهُ إِلَىٰ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَخْطَرُ الِاخْتِبَارَاتِ الْكَاشِفَةِ عَنْ مَدَىٰ بَصِيرَةِ الْمَخْلُوقُ/ هُنَاكَ صِلَةٌ وَثِيقَةٌ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ ـ حَقَائِقِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الصَّاعِدَةِ ـ وَالتَّوَسُّلِ وَالتَّوَجُّهِ بِهَا إِلَىٰ سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ. وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ، مِنْهَا: 1ـ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]. 2ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الرِّضَا مُنَضَمّاً إِلَيْهِ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قَالَ: «... إِذَا نَزَلَتْ بِكُمْ شِدَّةٌ فَاسْتَعِينُوا بِنَا عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾. قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: نَحْنُ وَاللَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ الَّتِي لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِمَعْرِفَتِنَا، قَالَ: ﴿فَاْدْعُوهُ بِهَا﴾». بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 91: 5ـ 6/ح7. تَفْسِيرُ الْعَيَّاشِيِّ، 2: 42. وَمِنْهُ يَتَّضِحُ: أَنَّ التَّوَجُّهَ وَالِالْتِجَاءَ إِلَىٰ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْظَمِ وَأَهَمِّ الِامْتِحَانَاتِ وَالِاخْتِبَارَاتِ عَلَىٰ مَدَى الْأَزْمَانِ وَالدُّهُورِ؛ الْكَاشِفَةِ عَنْ مَدَىٰ مَعْرِفَةِ وَبَصِيرَةِ الْمَخْلُوقِ. الْأَمْرُ السَّابِعُ: / تَنَزُّهُ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ عَنْ مُطْلَقِ الْمَخْلُوقَاتِ / / كَمَالُ جُمْلَةِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ مِنَ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ / إِنَّ الْبَارِي ـ الْمُسَمَّىٰ ـ صَاحِبَ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ مُنَزَّهٌ عَنْ جُمْلَةِ مَخْلُوقَاتِهِ، مِنْهَا: الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ الْإِلَهِيَّةُ؛ فِعْلِيَّةً كَانَتْ أَمْ ذَاتِيَّةً. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ كَمَالَ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ بِالصِّفَاتِ. فَإِنَّهُ يُقَالُ: الْحَقُّ: أَنَّ كَمَالَ مُطْلَقِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ مُنْبَثِقٌ وَمُتَجَلٍّ مِنَ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ، لَا الْعَكْسُ. وَمِنْهُ يَتَّضِحُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِمُطْلَقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ اكْتِنَاهُ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ. الْأَمْرُ الثَّامِنُ: / خُطُورَةُ الْبَحْثِ فِي أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ وَالْعَقَائِدِ الْإِلَهِيَّةِ / إِنَّ الْبَحْثَ فِي أُلُوهِيَّةِ الْإِلَٰهِ (جَلَّ وَتَقَدَّسَ)، وَفِي التَّوْحِيدِ وَسَائِرِ أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ وَالْعَقَائِدِ الْإِلَهِيَّةِ لَيْسَ دَغْدَغَةَ عَوَاطِفَ، بَلْ بِنَاءُ كَرَامَةٍ وَبِنَاءُ عُلُوِّ الْمَخْلُوقِ؛ وَبَرَامِجُ لِنُبْلِ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ فِي هَٰذَا الْكَوْكَبِ الْأَرْضِيِّ؛ وَبِنَاءُ خَارِطَةِ عَقَائِدَ وَمَعَارِفَ وَخَارِطَةِ مَسَارٍ إِنْسَانِيٍّ لَا تَحُدُّهَا الْأَرَضُونَ وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، بَلْ لَا تَحُدُّهَا مُطْلَقُ الْعَوَالِمِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ، وَبَاقِيَةٌ لِآبَادٍ وَآزَالٍ. إِذَنْ: الِاعْتِقَادُ بِالتَّوْحِيدِ لَيْسَ تَرْنِيماً عَوَاطِفِيّاً، وَإِنَّمَا خَارِطَةُ طَرِيقٍ تَنْعَكِسُ عَلَىٰ كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ حَتَّىٰ عَلَىٰ مَنْ جَعَلَ الْجِنْسَ صَنَماً لَهُ ـ مَثَلاً ـ، فَضْلاً عَمَّنْ رَفَعَ هِمَّتَهُ إِلَىٰ عَوَالِمَ أُخْرَىٰ، وَحَيَاةٍ كَرِيمَةٍ وَنَجِيبَةٍ وَشَرِيفَةٍ وَنَبِيلَةٍ، وَعُلُوِّ مَقَامَاتٍ فِي هَٰذَا الْعَالَمِ وَفِي سَائِرِ عَوَالِمِ الْخِلْقَةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ. وَبِالْجُمْلَةِ: الْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ وَالِاعْتِقَادُ بِالتَّوْحِيدِ لَيْسَ شَيْئاً تَجْرِيدِيّاً أَوْ عَاطِفِيّاً، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ مَسَارٍ يُكَوِّنُ جُمْلَةَ مَسَارَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَتَنْعَكِسُ عَلَىٰ حَيَاتِهَا: (السِّيَاسِيَّةِ)، وَ(الِاجْتِمَاعِيَّةِ)، وَ(الْأَمْنِيَّةِ)، وَ(الْعَسْكَرِيَّةِ)، وَهَلُمَّ جَرّاً، وَتَنْعَكِسُ أَيْضاً عَلَىٰ سُلُوكِهَا، وَمِنْ ثَمَّ تُجْعَلُ الدَّوْلَةُ دِينِيَّةً وَالْمَسَارُ دِينِيّاً، وَالدِّينُ هُوَ الْحَيَاةُ الْكَرِيمَةُ فِي كَافَّةِ الِاتِّجَاهَاتِ، وَيَجْعَلُ مَنْ سَارَ عَلَىٰ صِرَاطِهِ كَرِيماً نَجِيباً، وَمَعْرِفَتُهُ تَرْفَعُ هِمَّةَ الْمَخْلُوقِ وَتَعْلُو بِتَفْكِيرِهِ. وَالْمَعْصُومُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الْمُجَسِّمُ لِلْكَمَالِ. ثُمَّ إِنَّ مَنْ يُطَلِّقُ الدِّينَ يَتَبَنَّىٰ أَيَّ مَرَامٍ وَكُلَّ حَرَامٍ، وَيَكُونُ شِعَارُهُ الِاسْتِبَاحَةَ وَالْإِبَاحِيَّةَ فِي جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ، وَيَصِيرُ وَحْشاً كَاسِراً، وَبَهِيمِيَّ الشَّهْوَةِ وَالنَّزْوَةِ. الْأَمْرُ التَّاسِعُ: / تَنَزُّهُ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ عَنْ جُمْلَةٍ مِنْ شُؤُونِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ / / لِكُلِّ اسْمٍ إِلَهِيٍّ مُدَاوَلَةٌ وَتَغَيُّرٌ وَتَبَدُّلٌ خَاصٌّ بِهِ / / الْأَسْمَاءُ الْإِلَهِيَّةُ لَا تَتَّسِعُ بِوُسْعِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ / إِنَّ مَا وَرَدَ فِي دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ: «... وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَشَدُّ الْمُعَاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النَّكَالِ وَالنَّقِمَةِ، وَأَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ فِي مَوْضِعِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ...» [بِحَارُ الْأَنْوَارِ، 94: 337] بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ دَالٌّ عَلَىٰ أَنَّ لِلْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ شُؤُوناً وَمَوَاطِنَ لَا يُمْكِنُ لِلَّهِ الْمُسَمَّىٰ؛ صَاحِبِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الِاتِّصَافُ بِهَا؛ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ الْإِلَهِيَّةَ بِهَٰذِهِ الشُّؤُونِ وَالْمَوَاطِنِ تَكُونُ مَحْدُودَةً وَمُتَنَاهِيَةً بِالْقِيَاسِ إِلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ. وَدَالٌّ أَيْضاً: أَنَّ الْبَارِيَ ـ الْمُسَمَّىٰ ـ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ مَخْلُوقٍ فَلَا يَتَجَلَّىٰ لَهُ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، بَلْ بِالْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِذَا أَرَادَ مُعَاقَبَةَ مَخْلُوقٍ فَلَا يَتَجَلَّىٰ لَهُ بِالْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِنَّمَا بِالنَّكَالِ وَالنَّقِمَةِ، وَعَلَىٰ هَٰذَا قِسْ سَائِرَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ بِالْقِيَاسِ إِلَىٰ مَا يُنَاسِبُهَا وَمَا لَا يُنَاسِبُهَا مِنْ شُؤُونٍ وَمَوَاطِنَ. وَعَبَّرَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ عَنْ هَٰذَا التَّجَلِّي وَالظُّهُورِ بِـ: «دَوْلَةِ الْأَسْمَاءِ»، وَكَأَنَّمَا لِكُلِّ اسْمٍ إِلَهِيٍّ دَوْلَةٌ؛ بِمَعْنَىٰ: مُدَاوَلَةٌ وَتَغَيُّرٌ وَتَبَدُّلٌ. وَهَٰذَا التَّغَيُّرُ دَلِيلٌ عَلَىٰ فَقْرِ وَحَاجَةِ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ لِلذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ. وَدَلِيلٌ أَيْضاً عَلَىٰ أَنَّ الِاسْمَ الْإِلَهِيَّ ـ كَـ: اسْمِ (اللَّهِ) ـ لَا يَتَّسِعُ بِوُسْعِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الثَّابِتَةِ بِقَوْلٍ مُطْلَقٍ، وَهَٰذَا هُوَ مَعْنَىٰ: عُلُوِّ قَاهِرِيَّةِ الْبَارِي ـ الْمُسَمَّىٰ ـ صَاحِبِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ؛ وَحَاكِمِيَّتِهِ عَلَىٰ كَافَّةِ عَوَالِمِ الْخِلْقَةِ وَجُمْلَةِ مَخْلُوقَاتِهَا، مِنْهَا: الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ الْإِلَهِيَّةُ، فِعْلِيَّةً كَانَتْ أَمْ ذَاتِيَّةً. (22) هُنَاكَ نُكْتَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ يَجِبُ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهَا، حَاصِلُهَا: أَنَّ الثَّابِتَ فِي بَيَانَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) أَسْمَاءً عَدِيدَةً، وَكُلُّ اسْمٍ مِنْهَا مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ إِلَهِيٍّ. (23) يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ فِي الْمَقَامِ إِلَى التَّنْبِيهَاتِ التَّالِيَةِ: التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ: / الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ بَاعِثٌ لِتَحْصِيلِ الْفَضَائِلِ وَالْكَمَالَاتِ / إِنَّ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ أَسَاسُ أُسُسِ الْعِلْمِ وَالْمَعْلُومَاتِ الْحَقَّةِ، بَلْ لَوْلَا الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ لَمَا كَانَ هُنَاكَ بَاعِثٌ لِتَحَصُّلِ الْعِلْمِ وَسَائِرِ الْفَضَائِلِ وَالْكَمَالَاتِ، وَلَمَا كَانَتْ هُنَاكَ بَواعِثُ لِلْحَرَكَةِ فِي أَيِّ عِلْمٍ مِنَ الْعُلُومِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَٰلِكَ الْمَخْلُوقُ مُلْتَفِتاً إِلَىٰ هَٰذِهِ الْقَضِيَّةِ أَمْ لَا. وَلَعَلَّ هَٰذَا هُوَ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانُ قَوْلِهِ تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 2ـ3]. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: / لَا بُدَّ مِنْ إِعْطَاءِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ حَقَّهَا / إِنَّ الْعُلُومَ الْمَعْرِفِيَّةَ الدِّينِيَّةَ الْوَحْيَانِيَّةَ بَعْدَ مَا كَانَتْ عُلُوماً مَلَكُوتِيَّةً وَجَبَ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَالتَّعَامُلُ مَعَهَا، وَعَدَمُ الِاسْتِهَانَةِ (وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَىٰ) بِهَا